عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

292

اللباب في علوم الكتاب

ردّ عليّ الوديعة . فقال له صاحبه : ما أعرف لك عندي من وديعة ، فإن كنت صادقا فتناول السلسلة ، فقام صاحب الجوهرة ، فتناولها بيده . فقيل للمنكر قم أنت ، فتناولها . فقال لصاحب الجوهرة : خذ عكّازي هذا ، فاحفظها حتى أتناول السّلسلة ، فأخذها فقال الرجل : « اللّهم إن كنت تعلم أنّ هذه الوديعة التي يدّعيها ، قد وصلت إليه فقرب مني السّلسلة ، فمد يده فتناولها ، فتعجب القوم ، وشكّوا فيها ، فأصبحوا وقد رفع اللّه السّلسلة . قوله « مِمَّا يَشاءُ » : فاعل ، « يشاء » ضمير اللّه تعالى . وقيل : ضمير داود ، والأول أظهر . قوله : « ولولا دفع » ؛ قرأ « 1 » نافع هنا ، وفي الحج : « دفاع » ، والباقون : « دفع » . فأمّا « دفع » ، فمصدر « دفع » « يدفع » ثلاثيا ، وأمّا « دفاع » فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مصدر « دفع » الثلاثيّ أيضا ، نحو : كتب كتابا ، وأن يكون مصدر « دافع » ؛ نحو : قاتل قتالا ؛ قال أبو ذؤيب : [ الكامل ] 1170 - ولقد حرصت بأن أدافع عنهم * فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع « 2 » قالوا وفعال كثيرا يجيء مصدرا للثلاثي من فعل وفعل ، تقول : جمح جماحا وطمح طماحا وتقول لقيته لقاء ، وقمت قياما ، وأن يكون مصدر لدفع تقول : دفعته ، دفعا ، ودفاعا نحو : قتل قتلا وقتالا . و « فاعل » هنا بمعنى فعل المجرد ، فتتّحد القراءتان في المعنى ويحتمل أن يكون من المفاعلة ، والمعنى أنه سبحانه إنّما يكفّ الظّلمة ، والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ، ورسله ، وأئمة دينه ، وكان يقع بين أولئك المحقين ، وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة كقوله تعالى : يُحارِبُونَ اللَّهَ [ المائدة : 33 ] و شَاقُّوا اللَّهَ [ الأنفال : 13 ] ونظائره كثيرة . ومن قرأ « دفاع » ، وقرأ في الحجّ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [ الحج : 38 ] أو قرأ « دفع » ، وقرأ « يدفع » - وهما أبو عمرو وابن كثير - فقد وافق أصله ، فجاء بالمصدر على وفق الفعل ، وأمّا من قرأ هنا : « دفع » ، وفي الحجّ « يدافع » ، وهم الباقون ، فقد جمع بين اللّغتين ، فاستعمل الفعل من الرّباعي والمصدر من الثلاثي . والمصدر هنا مضاف لفاعله وهو اللّه تعالى ، و « النّاس » مفعول أول ، و « بعضهم » بدل من « الناس » بدل بعض من كلّ .

--> ( 1 ) انظر : السبعة 187 ، والحجة 2 / 352 ، وحجة القراءات 140 ، والعنوان 74 ، وإعراب القراءات السبع 1 / 91 ، وشرح الطيبة 4 / 114 وشرح شعلة 293 ، وإتحاف 1 / 446 . ( 2 ) ينظر : ديوان الهذليين 1 / 2 ، البحر 2 / 278 ، الدر المصون 1 / 608 .